سهيلة عبد الباعث الترجمان
705
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
كما أنه لا نصيب للخلق بمشاركة الحق في أزله لأنه محدث فلا قبلية له مع الحق فيقول : " واعلم أن أزل الحق الذي هو لنفسه لا يوجد فيه الخلق لا حكما ولا عينا ، لأنه عبارة عن حكم القبلية للّه وحده ، فلا حكم للخلق في قبلية الحق بوجه من الوجوه ، ولا يقال أن له في قبلية الحق وجودا من حيث التعيين العلمي ولا من حيث التعيين الوجودي لأنه لو حكم له بالوجود العلمي لزم من ذلك أن يكون الخلق موجودا بوجود الحق ، وقد نبه الحق تعالى على ذلك في قوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً « 1 » " « 2 » . كذلك الشأن بالنسبة إلى الأبد وعلاقته بالبعدية ، وحكمه حكم الأزل من حيث اقتضاء الوجود الوجوبي للذات الإلهية ، فله البقاء الدائم لا يجاريه فيه ممكن ولا حادث لأن الوجود الذاتي استلزم ذلك . ويشير إلى معنى الأبد بقوله : " الأبد عبارة عن معقولية البعدية للّه تعالى ، وهو حكم له من حيث ما يقتضيه وجوده الوجوبي الذاتي لأن وجوده لنفسه قائم بذاته ، فلهذا صحّ له البقاء لأنه غير مسبوق بالعدم ، فحكم له بالبقاء قبل الممكن وبعده لقيامه بذاته وعدم احتياجه لغيره ، بخلاف الممكن لأنه ولو كان لا يتناهى فهو محكوم عليه بالانقطاع لأنه مسبوق بالعدم . وكل مسبوق بالعدم فمرجعه إلى ما كان عليه ، فلا بد أن يحكم عليه بالانعدام وإلّا لزم أن يساير الحق تعالى في بقائه وهذا محال ، ولو لم يكن كذلك لما صحت البعدية للّه " « 3 » . ومما يراه الجيلي أن الاستمرارية التي للحق تعالى لا يشاركه فيها الممكن لانقطاع وجوده ، لأن وجوده بغيره . لذلك فله حكم الانتهاء وعدم الاستمرارية ، ومع ذلك فالممكن له أبد يختلف فيه عن أبد الحق ، لأن أبد الحق عين أزله . وأزل الحق أبده وكل ممكن مآله إلى الحق فيقول : " إن كل شيء من الممكنات له أبد ، فأبد الدنيا بتحوّل الأمر إلى الآخرة ، وأبد الآخرة بتحوّل الأمر إلى الحق تعالى ، ولا بد أن يحكم بانقطاع الآباد . . . فإن أبدية الحق تلزمنا أن نحكم على ما سواه بالانقطاع ، فليس لمخلوق أن
--> ( 1 ) سورة الإنسان ، الآية : 1 م . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 71 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 71 .